السيد كمال الحيدري
119
المذهب الذاتي في نظرية المعرفة
قطعة مغناطيسية واحدة تجذب الحديد لم يكفنا ذلك لكي نؤمن بأنّ كلّ مغناطيس يجذب الحديد ما لم نكرّر التجربة ونستوعب عدداً أكبر من الأمثلة والنماذج . ولكن الأمر بالنسبة إلى القضايا الرياضية والمنطقية يختلف اختلافاً كبيراً ، فإن الإنسان في اللحظة التي يستطيع فيها أن يجمع خمسة كتب وخمسة كتب أخرى ، ويعرف أن مجموعها عشرة ، يمكنه أن يحكم بأنّ كلّ خمستين تساوي عشرة ، سواء كانت الأشياء المعدودة كتباً أو أشياء أخرى ، ولا يزداد اليقين بهذه الحقيقة ترسيخاً بتكرار الأمثلة وجمع النماذج العديدة . بتعبير آخر : إن اليقين بهذه الحقيقة الرياضية يصل منذ اللحظة الأولى من إدراكها إلى درجة كبيرة لا يمكن تجاوزها ، بينما نجد أنَّ اعتقادنا بالقضايا الطبيعية يزداد باستمرار كلّما تظافرت التجارب وأكّدت باستمرار صدق القضية وموضوعيتها . * إنَّ قضايا العلوم الطبيعية وإن * كانت تستبطن تعميماً وتجاوزاً عن حدود التجربة ، ولكن هذا التجاوز المستبطن لا يتعدّى حدود عالم التجربة وإن تعدّى نطاقها الخاصّ . فنحن حين نقرّر أن الماء يغلي في درجة معيّنة من الحرارة نتجاوز المياه التي وقعت في نطاق تجاربنا الخاصّة إلى سائر المياه في هذا الكون . ولكننا إذا اجترنا عالم التجربة وتصوّرنا عالماً آخر غير هذا العالم الذي نعيش فيه ، فمن الممكن أن نتصوّر الماء في ذلك العالم وهو لا يغلي عند تلك الدرجة المعيّنة من الحرارة ، ولا نجد مسوّغاً لتعميم القضية القائلة بأنّ الماء يغلي عند درجة معيّنة على ذلك العالم الآخر . وهذا يعني أن التعميم في تلك القضية إنما